كان يضم يديه ويفردهما بعصبية وهو يردد : لا تجبرني على أن أحلف بالطلاق، ستتعشى عندنا مساء الجمعة ولا أقبل أي عذر. نظرت إليه طويلا واحترت في ما أقول. كيف اقنع هذا الصديق الجالس أمامي بأن العشاء يضرني وإنني لا آكل طعاما بعد الخامسة مساءا إلا بعض الفواكه والخضار، وأن العشاء الذي يصر صديقي على دعوتي إليه سيسبب لي مشاكل صحية لا تعد ولا تحصى، خاصة وأنني في ذلك اليوم مدعو عند صديق على غداء دسم. لقد جف حلقي ونشفت شفتاي من ترديد ذلك له وهو يعود ليحلف الأيمان ويصر على هذه الدعوة بإصرار عجيب. ما السر في كون الطعام يكون في بلادنا أحد أهم المكونات للعلاقات الاجتماعية ؟ ما السر في أن الصداقة والمحبة في بلادنا تتمحور حول الطعام المقدم ونوعه وكميته وشكله . شعبنا مضياف كريم وهذا لا نقاش فيه ولكن لماذا الإصرار على دعوة الضيف إلى مائدة تضره وليس له رغبة فيها، فهل هي إرضاء للضيف أم للمضيف؟
طال الصمت بيننا وما عدت أسمع إلا أمواج أنفاسه التي أخذت في التسارع متلهفة لجوابي. لقد شعرت بمزيج من الحيرة والأسى والغضب الدفين لوجودي في هذا الموقف ألمحرج، وبدأ عقلي يحلل بسرعة فائقة النتائج المترتبة على أي إجابة أقولها. قبضت على يد صديقي بشدة وقلت له : يشرفني يا صديقي أن آت إلى بيتك وأن آكل من طعامك، ورغم معرفتي أن الأكل المتأخر ليلا يضرني، إلا أنني إكراما لك سأقبل دعوتك ولي رجاء عندك أن يقدم الطعام مبكرا. ثم تابعت القول : وأظن أنه من باب العبث أن أتقدم إليك برجاء، أن يكون الطعام بسيطا،خفيفا على المعدة، فمعرفتي بك وبزوجتك تؤكد لي بأن هذا الرجاء لن ينفذ. رأيت البهجة تعم وجه صديقي والتي عبر عنها بعناقي طويلا كأننا نلتقي بعد غياب طويل. دار الجدال بيننا حول الوقت ولقد حاولت أن آخذ وعدا من صديقي بأن يكون مبكرا قدر الممكن. وأخيرا إنتهى الإتفاق بيننا، بعد جدال الممكن وغير الممكن ، أن يكون العشاء بعد صلاة المغرب مباشرة. فالأوقات في بلادنا مربوطة بأوقات الصلاة.
في مساء اليوم المعهود وفي الوقت المتفق عليه طرقت باب صديقي وأنا أتحسس جيوبي التي امتلأت بمختلف الأدوية التي جلبتها معي. حبوب ضد الحموضة وحبوب لتسهيل الهضم إلى جانب حبوب لمنع النفخة وحبوب أخرى حيطة لأي حالة طارئة. قابلني المضيف بالعناق والترحاب وقادني إلى قاعة الضيوف. فوجئت بأن القاعة مليئة بالضيوف من الجنسين ، بعضهم من أصدقائي وأقاربي وبعضهم غريب عني ولكنه يمت لبعض أقربائي وأصدقائي بصلة النسب. صافحت الجميع فردا فردا فردا، بعض النساء رفضن مصافحتي ووضعن أيديهن خلف ظهورهن، فأصبت بالحرج واحترت لأي منهن أقدم يدي، وتنفست الصعداء عندما انتهيت من واجب المصافحة وجلست في المقعد الذي قدم لي.
دارت الأسئلة حول الحال والأحوال والعائلة وما غير ذلك. سألتني إحداهن أين زوجتي, فعم الصمت المكان ووشوشتها امرأة تجلس بجانبها بأنني أرمل، توفيت زوجتي منذ أعوام. سألتني نفس السيدة لماذا لم أتزوج لحد الآن، ودار الحديث حول ضرورة تزويجي، وبدأ الحاضرون يدلون دلوهم في موضوع زواجي ويطرحون أسماء الزوجات المناسبة لي. لم يسألني أحد عن رأيي وإن كنت أرغب في الزواج أصلا، بقيت صامتا أستمع للتمثيلية التي أقوم بدور البطل فيها ولكنني خارج مسرحها. وأخذت أراقب الساعة وأتساءل متى سندعى إلى العشاء الموعود.
قام الرجال فجأة وتوجهوا نحو باب الخروج ولم أفهم ما يجري فسألت مضيفي فأجابني بأنهم ذاهبون إلى المسجد لصلاة العشاء. وعندما سألته لماذا لا يصلون في البيت أخبرني أن الصلاة في المسجد أكثر ثوابا، واعتذر مني بأن الأمر لن يطول وأنهم سيقدمون العشاء بعد عودة الرجال من المسجد مباشرة. وعندما سألته عن وعده بأن يكون العشاء مبكرا إحمر وجهه وقال بأن الصلاة أهم من وعده لي وطلب مني أن أقوم معهم فأخبرته بأنني مسافر ولي حق الجمع فهز رأسه ولحق مسرعا ببقية الرجال وتركني وحيدا مع إبن له، فلقد خرجت النساء إلى غرفة ثانية للصلاة.
عاد الرجال بعد وقت خلته دهرا ودعينا لطاولة العشاء ولقد أصبح الوقت بالنسبة لي متأخرا بكل المعايير. قمنا ولقد قررت في نفسي أن لا آكل إلا قليل من الخضار، ولكنني ما أن جلست إلى طاولة الطعام حتى رأيت الأيدي تمتد إلى صحني وتملأه بالطعام، وعندما أظهرت إعتراضي بدأت الأيمان تنصب على رأسي : بالله عليك كل، ألا يعجبك الطعام ؟ خذ هذه الكوساية من يدي، خذ هذه الكبة وضعها في فمك، إفتح فمك هذه قطعة لحم موزة من فخد الخاروف وهكذا انطلقت الأيمان المختلفة من الشفاة وامتلأ صحني بالطعام حتى بدأ يتساقط منه. خلت نفسي طفلا صغيرا يطعمه والديه. وما أن قمنا عن الطاولة حتى شعرت أن معدتي ستنفجر وأخذ كرشي الذي انتفخ مثل قربة يضغط على أنفاسي.
أخيرا عدنا إلى أماكننا وكانت كلمات الشكر تنطلق من الأفواه يرد عليها المضيف بكلمات: صحة وعافية. ثم وزعت القهوة العربية المطعمة بالهال وأخذت أرتشف القهوة بتلذذ. عم الصمت القاعة إلا من صوت رشفات القهوة من شفاه الضيوف وإعادة ملئ الفناجين من دلة ذات فم ضيق معقوف يدور بها مضيفنا على ضيوفه. شق الصمت صوت أحد الضيوف قائلا :" هل رأيتم ما يفعل الرافضة أعداء الإسلام وكيف يشتمون السيدة عائشة أشرف سيدات الخلق ، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت سيدة بعد أن وضعت فنجان القهوة الفارغ على الطاولة التي أمامها :" شاهدوا برامجهم التلفزيونية فكلها حقد على الإسلام والسنة وعلى صحابة الرسول رضوان الله عليهم جميعا." قال أحد الجالسين : " حزب الله يرفع شعار فلسطين كتقية وكل هدفه فتح الأبواب لإيران الشيعية حتى تحتل أرضنا وتنشر أفكار الرافضة ويسقط دين الحق، دين أهل السنة والجماعة." بقي الحديث يدور حول الشيعة وموقفهم العدائي من السنة وحقدهم على السيدة عائشة وعلى صحابة النبي الأتقياء الأوفياء المعصومين عن الخطأ.. بقيت صامتا أستمع وكان كل من الموجودين يدلي بدلوه في بئر الخطر الشيعي على أمة محمد. إنتظرت أن ينتهي الحديث ويتحول إلى الخطر الإسرائيلي المحدق بمجموع الأمة والويلات التي يذوقها أهلنا في فلسطين على أيدي قوى الإحتلال، ولكن أنتظاري كان عبثا. فجأة لاحظ بعضهم صمتي فسألني عن رأيي. فكرت وترددت طويلا قبل أن أنطق بأي كلمة، ولكن العيون المسلطة علي والوجوه المنتظرة جوابي دفعني للحديث فقلت :إنني أرى في حديثكم هذا زرعا للفتنة نحن في غنى عنها وخاصة في ظروف الهجمة الصهيونية والإمبريالية على بلادنا. ثم أن المرجعية الشيعية إستنكرت التهجم على السيدة عائشة وعلى صحابة النبي، وهذا هو فصل المقال ولا ضرورة لإعادة وتكرار قول فرد هنا وآخر هناك،كما أن هذا الموضوع ينتمي إلى الماضي ونحن علينا أن ننظر إلى الحاضر والمستقبل والمشاكل المعقدة التي تواجهنا، وآخر ما نرجوه هو نشوب فتنة بين السنة والشيعة. قاطعني أحدهم صائحا : " لا تصدقهم! تصريح مرجعيتهم هو تقية وهم يقولون مالا يضمرون. تابعت كلامي دون أن أعير أي إهتمام لموضوع التقية وقلت: عند أهل السنة مجموعات تكفيرية إرهابية وهي أكثر خطرا علينا جميعا من أي خطر شيعي محتمل.
إنطلقت القنابل الكلامية من مدافع الشفاة الملحمية وتوجهت كالصواريخ تجاهي واللهب الحارق يخرج منها. راحت عيناي تمعن النظر في تلك الشفاة المرتجفة كرشاش حربي سريع الطلقات وقطرات اللعاب تمتزج مع الكلمات المنطلقة كالرصاص حاملة كل الحقد الإنساني. إستطعت أن ألتقط من بينها كلمات مثل كفر وحرام وردة وعقاب ولا نسمح وغير مقبول. حاولت أن أرد وأشرح رأيي وموقفي ولكن الألسنة الحادة كالسيف قطعت جملي كما يقطع السيف لحم عدو في يد محارب حاقد. لم استطع أن أقول، مهما حاولت، جملة واحدة مفيدة، فآثرت الصمت. تابعت صمتي ولم يعد للقهوة مذاق ولا رائحة، ولا أدري كم إستمر الهجوم وكم من التهم والشتائم سقطت على رأسي. كانت العيون تحدق في وجهي والشرر يتطاير منها وكانت الشفاه تصب حماها علي فحدقت في وجوههم، لم يكن هؤلاء أهلي ولا أقاربي ولا أصدقائي الذين إشتقت إليهم بعد غربة. كانوا غرباء وكنت بينهم أشد إغترابا من غربتي خارج وطني. قبض الحزن على قلبي حتى كاد يدميه وغلى الدم في عروقي ولكنني بقيت صامتا .
بعد فترة عم الصمت القاعة ورأيت عيون الموجودين تتحاشاني. أخذت أحدق في الوجوه متحديا. بعد فترة من الصمت طالت حتى أصبح الوضع محرجا قال أحدهم بصوت عال، كأنما حديثه موجه نحوي مع أنه لم يكن ينظر إلي: " هل رأيتم أوروبا التي تدعي الديموقراطية والحرية وترفع شعار حقوق الإنسان؟ إنها تعتدي على حقوق المرأة المسلمة وتمنع النقاب." خرجت التمتمات من أفواه الحضور موافقة على قول صاحبنا وأضاف البعض جملا مثل: " إنهم يكرهون الإسلام والمسلمين، يدعون الديموقراطية ويعتدون على حرية المسلمين وحقوقهم، يجب أن لا نسمح بالإعتداء على حرية المرأة المسلمة ومنعها من لبس لباسها الشرعي بما فيه النقاب.
إستمعت طويلا لحديثهم يشكون من تعسف الديموقراطية الغربية وإعتداءها على حقوق المسلمين وخاصة حق المرأة المسلمة بلبس النقاب وتغطية جسمها ووجهها ويديها حتى تصبح إمرأة "إنكوغنيتو" مجهولة الجنس والهوية ولا تعرف إن كانت من جنس البشر أم من كوكب آخر، وإن كانت رجلا أو إمرأة. شعرت بعمق التناقض في تفكير أمة محمد وتجذر داء الفصام في العقل المسلم. قمت وتسللت من القاعة إلى الحديقة ومنها إلى الشارع ولم يكتشف أحد خروجي ولا شعر بغيابي. تنفست الهواء الطلق المنعش ونظرت إلى السماء. بحثت عن القمر فلم أجده، مع أنه من المفروض أن تكون ليلة قمرية. لعله إختفى خجلا من ما سمع. كان الصمت والظلام مخيم على المدينة يشقهما بين الحين والآخر صوت ونور مصابيح السيارت المارة على الطريق العام. تمنيت لو أن لي جنحان فأطير بها بعيدا. لم يكن لدي جنحان فوضعت يدي في جيوبي ومشيت مغادرا.
د. نضال الصالح/فلسطين

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.png)