حامت خيالاته بين ماضيه وحاضره ، المستقبل لم يخطر بباله ولا يعيره انتباهأ ، غمرت الهموم طفولته منذ فقدَ حنان والده ، لو انفجر ما في قلبه من حسرة عليه لأغرق العالم كله ، تركه ضعيفأ مكسور الجناح إبن تسعة اعوام ، عاش في كنف زوج امه ، الأم بحاجة الى من يربي اولادها الاربعة بمن فيهم " الدبعي "أكبر اخوته .
" الدبعي " مختلف عن أقرانه من صبيان الحي بجثته الضامرة ، وجمجمته المفلطحة ، وعينيه الغائرتين كجحور الخُلد في حقل متضرس ، انفه افطس متراجع للخلف ، شفته العليا مشروخة من جهتها اليسرى ، قصير القامة ، حين يتكلم يصدر صوتأ كخوار البقر . كان صبيان الحي يتندرون عليه ، فتسرب من المدرسة ليتحاشى استهزاء اولاد صفه عليه .
تواطأ عليه قسوة زوج الأم ، وفقدان حنان الأب ، والفقر ، وضجره من هيئته وشكله ، التجأ للسوق ، عمل حمالأ بين البقالات والحوانيت ، كان يجلس على الرصيف ينتظر رزقه ، كان يشعر بداخله ان اشباحأ تسكن اعماقه ،عصفت به رياح الحياة بين البيت والسوق ، زوج الأم ينهره ويحقره ويشتمه ، إذا لم يضع في يده ما جمعه من نقود ذلك اليوم ، ، كان يمقت الذهاب الى السوق لأستهزاء وتندر اصحاب المحلات والدكاكين على شكله وهيئته ، كانوا ينادون عليه في السوق احيانأ ب "البغل " ومرات اخرى لا يدفعون له اجرأ .
شعر بالضجر من حياته رغم صغر سنه ، يتسائل بصمت قاتل : هل من سبيل ٍ او وسيلة لخروج الشخص من جلده وتغيير خلقته ؟ ، ترنح "الدبعي " بين رياح حياته التعيسة ، تقاذفته الاسئلة الحائرة التي رمت شباكها كبيوت العنكبوت في قلبه وعقله ونفسه ، شحنته الحياة بعواطف باردة جامدة كقوالب الثلج ، الوقت يمر والزمن يعبر دروبه وانفاقه ، و" الدبعي " يكبُر وتكبر همومه وتصغر الحياة في عينيه الغائرتين ، والكراهية بداخله تتعاظم بمقدار كراهيته لزوج أُمه، اصابته الحياة بدوامة جعلته يدور مكانه كثور الساقية ، اذا نهض عن الرصيف يترنح كأنه ثمل ،
إمتلأ شراسةً مع الايام وعامأ بعد عام ،هجر السوق ما عاد له فيه رزقأ ،حلق ذقنه وشاربيه على صغره ،املأ ان يكسو الشعر وجهه قبل موعده لينخرط في عمل جديد ،عمل في مسلخ المدينة ، يُحضر العجول والخراف والاغنام للذبح ، راقت لنفسه مرور السكين على رقاب الذبائح وسيلان دمها الدافىء، في ركنٍ منزو ٍ من المسلخ يُصدر المذياع اصوات المدائح والاناشيد، وبعض العاملين في المسلخ يرددون المدائح والاناشيد بصوت خافت وقت فراغهم ، اقترب " الدبعي " من احدهم ، لاحساسه انه يعوضه الحنان الذي ضاع من حياته ، وأشفق عليه ( الشيخ خليل ) رأى في عينيه كلمات موجعة تئن تحت وطأة سنين حياته ، ألصق " الدبعي " بوجهه ابتسامة مخفية حتى لا تظهر شفته الأرنبية وقال للشيخ : انت مثل والدي ، أحس الشيخ بطيبة " الدبعي " الخفية ، بادله بابتسامة وربت على كتفه ، سرد "الدبعي " مسلسل حياته على الشيخ الذي أخذ على نفسه عهدأ ان يرعى " الدبعي "ويسنده ليكسب فيه أجرأ ، اطمئن " الدبعي " للشيخ ووعده ان يقف الى جانبه مثل ابنه .
عرض الشيخ على " الدبعي " اصطحابه بعد العمل الى بيت احد الشيوخ ليتعلم دروسأ في طرد الشياطين وفك السحر والحجب ، والمداواة بالاعشاب و العلاج بالماء المقروء عليه ،وأقنعه اذا احسن صنعته تلك ستدر عليه دخلأ وتتحسن احواله ، وذلك أفضل له من العمل بالمسلخ ،
لقيت فكرة الشيخ استهواءأ لدى " الدبعي " فارتاد مجالس المشايخ ، منهم مختص بالشيا طين واعمالهم وسيرتهم ، وأخر بالسحر وتفريق المرء وزوجه ، وثالث مختص بالشعوذة وفك الحجب والعلاج بالاعشاب والماء المقروء عليه ، " الدبعي " أغوته طرق استحضار الجن والعفاريت والشياطين ، تلاقت في رأسه مع ما عشش من الايام القاسية بداخله، فهو لا ينسى حين قبضت عليه الشرطة بتهمة التسول ، وبين صوت الشتائم وتحقير زوج أمه له ، وتندر وأستهزاء اصحاب المحلات والدكاكين في السوق ، امتلأ غيظأ وحقدأ على كل ما حوله ، اصبح الوقت يجر بعرباته الثقيلة حياة " الدبعي " حاملأ همومه المتكدسة عبر السنين ، مضى به العمر، تخطى الصبا الى الرجولة والشباب ، بدت ملامحه اكبر من عمره بسنوات ، كل يوم يمر عليه تُحشى جمجمته الكبيرة بدروس الشياطين والعفاريت والجن ، ، تاهت دروبه فأحس بداخله ، هناك مئات الشياطين والعفاريت تتلبسه وأصبحت عالمه وحياته، تَجسَد في نفسه حقده على زوج امه بابعاده الثلاث ، وتجسم زوج امه في ذهنه انه هو الشيطان الذي افقده طفولته ورمى به في دهاليز الحياة الشائكة .
جاء المساء وحل الغسق ،كان الجو حارأ وخانقأ في تلك الليلة ، لمعت في رأسه افكارأ لوّحَت به هنا وهناك ، وتأرجح بين ماضيه وحاضره وليلته هذه ، لم يجد " الدبعي " فرقأ بين الامس واليوم ، تفوح من ملابسه رائحة الدم والعرق اللزج مما زاد من ضجره ، من يراه يقرأ في عينيه شرأ ، فقدَ وعيّه ، نزل الدرب المؤدي الى بيت زوج امه ، دخل الزقاق ، فتح الباب ، مشى بخطوات متثاقلة حيث تجلس أمه واخوته ، سألها عن زوجها ، ردت : لم يأت ِ بعد ، طلب منها اخلاء المنزل مع اولادها ، مانعت ورفضت ... هددها بالذبح ... اقشعر بدنها من الخوف ، كرر طلبه حتى خرجت، والليل يزيد من سواده ، والمساء يطوق الحي ، الدم تدفق في عروق رقبته كاد يُفجر دماغه ، حوّل " الدبعي " الى وحش هائج
يردد في أعماقه : الشيطان سبب عذابي ... الشيطان سبب شقائي وفقري وتعاستي ، علمني سيدي الشيخ ان قتل الشيطان سيخلصني من عذابي وبؤسي ، حضر الزوج والصمت المخيف يلف البيت ، تفقد البيت غرفة غرفة ، لم يجد أحدأ ، " الدبعي " متربص به في ركن ٍ من البيت ، ظهر "الدبعي" امامه في العتمة ، تسارعت انفاسه وأحس أنه مسحوب من انسانيته في هذه الليلة ، وهذا الزمن الذي مزقه واستئصل حياته ووجوده ، قابضأ بيده سكين المسلخ ، صرخ به كخوار البقر ، انت الشيطان ، تلبستني من صغري حتى الساعة ، قتلُ الشيطان يخلصني من عذاب السنين ، طعنه في صدره ، وطرحه ارضأ وحزّ رقبته وفصل رأسه عن جسده ، كما يفعل مع الاغنام والخراف ، حمل رأسه وخرج من باب الدار وهو يصرخ ، دخل ازقة الحي ودروبه ، هائج كالثور يعربد ، قتلت الشيطان ... انا قتلت الشيطان ... يا ناس لا تتركوا الشيطان يتلبسكم، اعملوا مثلي ، انا قتلت الشيطان ... سقط مغشيأ عليه وسط الزقاق، وبيده رأس الشيطان !!!
زهدي الزمر ©
12 فبراير 2012

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.png)