اللون الرّمادي يبتلع كل شيء ..
استغفَلَتِ الألوان رَقدتِي وتلاشَت ، كعروسٍ أصابها الحيـاء .
وتوارت مُحمرّة الخدّين نحوَ مخدعها الخَفِيّ .
لم يعُد الغـدُ كما كان في الأمس .
ما زلت أُحسّ بالغياب ..
ما زلتُ أُنصتُ لإيقاع الغُربة في صدري ..
" وكأن صُبحـا لم يكُن " !
بحثت طويلا ..
وما زلت أُفتِّشُ عن فراشةٍ مغمورةٍ بقوس قزح .
عن وردةٍ فاقعة الجمال ..
عن بِذرة تمتَصُّ وحي المعجزات لتُخرِج للأرضِ مولودا زهيّا .
عن أي شيء ..
بحثتُ ، ومازلتُ أبحثُ عن أي أمس .
ما زال يسكُنني الحنين إلى مكانٍ ما في جنّة الفِردوس ..
كروح سافرت من بُعدِها الآخر واستوطنت أطلال جسمٍ نحيل ..
تبتغي كيما تلوذ بأذيال الرحيل أن تُروّى أشلاؤها بالانتقام .
وبباقـة من وردِ لونِ الدمِّ تؤنسُهـا وتغفُـو فوقها بهدوء .
*****************
لا فرق بين هذه المدينة الحجريّـة وبين ناحِتيهـا .
كلٌّ يُصارعُ ذات التّشوّهات ، وذات الآثار .
تشرَّب الجميع ذات اللّون ، وذات الطّباع .
مُتحجّرون ..
متقلّبون ..
متجرّدون من كل طعم .
حتّى بنات العقل أُصِبنَ بالانشقاق ..
وتَلَوَّنَّ بالشُّحوب .
أتيـهُ خلال شرايينها مع كل بصقَةِ دمّ ..
فكُلُّ الأماكنِ ذاتُ الزاويـة .
وكلُّ النّاسِ ذاتُ الشّريـد .
إلّا أنـا ..
ما زلتُ منبوذا .
ما زال جيشي العرمرم يواصِل احتشاده .
وما زالت كتائب الخيبة جاثمة فوق صدري ..
" وكأنَّ صُبحـا لم يكُـن " !
ولا صوتَ يعلو سوى الضجيج .
وعينانِ مضيئتان تشتعلان بأشباح الدموع تحت سقف الصُّبح .
وتلك الشّمس ما زالت تريني وجهها الآخر ..
وتنزِلُ كالجبال فوق رأسي ، تُريـدُ كسر زجاج الذكريات الذي بدأ بالتّصدُّع مُذ خرجتُ ولم أصافِح أي يــد !
حتّى الطّرب .. أُلبِسَ درعـا كالرّصاص ومشى سريعـا .
وأصبحتِ الأنغـامُ لونـا واحِداً ..
والقصائِدُ أصيبت بالعظام فتفتتت .
وشريـطُ عمـرٍ قديم يعرِضُ نفسهُ كل ساعة ، ليكون كالغذاء فيُبقِي الحُلمَ على قيـد الحيـاة .
*****************
قِطعٌ من الليل بدأت تتوزّعُ فوق رُقعةِ حُلميَ العفيف .
فقد غيّرت هذه المدينة كل لونٍ أبيضَ لديّ .
فالإيمان هنـا عباءةٌ صالحة لاقتناءِ أيّ شخص ، وقابلةٌ كذلك للزّخرفـة وإعادة التصنيع !
وسِحر الفؤاد يباع على قارعة كل طريق ..
والحُبّ يُشرى بثمنٍ بخس من الكلمات .
وكأن كلّ شيء في المدينة قبِلَ صفقة إبليسيّة حوّلت الإنسانَ حجرا ، وعلّبت المشاعر !
هناك في سجني الصغير ، كانت الأحلام في رأسي ناصعة البياض كما أنشأها الماضي .
حيثُ كانت المدينة مصنوعةً من الثّلج .
هناك .. كنتُ أسكُنُ قصري الأخضر أميرا لكلّ الأرض ..
أسابقُ الطّيور ، وأميل حين أجري مع الريح نحو بحر القمح الممتدّ كلون الشّمسِ من حولي ..
وأضحك ..
وأقفزُ كالمجنون .. كالأطفال .
أتخيّلُ السّنابلَ جيشا من الأعداء ، فأصارعُهم حتى التّعب ..
ثم أنثني على جنبي ، وأرتمي في أحضانهم لتسرقني يد النوم .
وحين أصحــو ..
أجد نفسي مُحدّدا داخل حصنٍ عديم اللون ، وأشتهِي الانعتاق .
وما زلت توّاقا إليـه كما اعتدت ..
" وكأنّ صبحـا لم يكُـن " !
*****************
وبعـد وجبةٍ دُهنِيّةٍ من المسِيـر ، تسلّلتُ إلى أحد الأزِقّـة ..
وعلى عتبة واحدٍ من الأرصفة الملقاة ، ألقيت نفسي .
وذكرت الأيام الخوالي بلهفة العاشق .
وتجمّدت نظرتي إلى السّماء ..
" ليس لي شيءٌ يُصبّرني هنا إلّا السّماء " .
حدّقت بها والتهمتُ ما حولي من الهواء ، وكأنّي تنفّستُ لونها الفريــد .
لم أرغب مفارقـةَ الرصيف .
أحسستُ عليه غرام البحر ، وعبير الكوخِ الكبير الذي عشتُ فيه وعاش بي .
شعرتُ عليه بالأمان ..
وكأنه جزءٌ من الذّكرى ..
وكأنّهُ أبي وأمي وجميع من أعشق .
وكأنه صدر الحبيبة ، ضمّني ساعة التّيه .
وأُحدّثُ نفسي إذ أسترق النّظر حولي ..
" ما زلتُ هناك ..
هنـا .. أسير ..
الرّصيف .. ذكرى قديمة وحُلم ..
ذاك الحجر .. هناك ..
كل شيء هنا .. هناك !
لِمَ ؟
ارفع السّتار ! "
أنتظرُ قليلا ، علَّ المدينة تختفي ..
علّني أصحو من النّوم في زنزانتي ، وأشُمُّ خيط الفجر .
علَّ يد النجاة تمتدُّ إليّ فتمشي نحوها شفتي .
أنتظر ..
وتُلقي السّاعةُ عقاربهـا في الأسر وترفع رايةً بيضاء ..
والمدينة صامدة !
والصُّبحُ يهزؤ بي فيُنيرُ اللونَ الرماديّ من حولي ، ويجعلُهُ أشد وضوحا !
في الأثناء ..
يزورني طيفٌ كحدِّ السّيف ..
ويغرِسُ نفسَه في رِئـتـي ، ليُخرِج من قاع قلبي ما حاولت إخفاءه ..
وتنهيدةٌ مهمومةٌ تكسِرُ قيود فمي ، وأُسِرُّ ملىءَ القلب :
" يا ليت صُبحا لم يكُن ! "
صدَقت يا صديقي ..
" صدقتَ مرّةً أخرى ! "
يتبع ...

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.png)