والحرفية العالية التي يكتب بها إبداعاته, وقد تأكد ذلك مع مرور الأيام حين ترسخت بيننا العلاقة الإنسانية والأدبية وصرنا أحيانا نحلق خارج الإبداع للحكي عن الحياة التي هي نوع آخر من الإبداع...رجل دمث الأخلاق, طيب إلى حد الخجل,جاد بكل قوة فيما يكتب وحين يكتب, لأن الأدب من وجهة نظره مسؤولية وأخلاق والتزام...هنا حوار معه للتعرف على السنباطي الإنسان والأديب المبدع والعميق المتعدد....
1 ) الأستاذ السنباطي, اسمح لي أن أفتتح معك هذا الحوار بسؤال تقليدي لكن يبدو انه لا غنى لنا عنه للتعريف بشخصك,فمن هو الأديب محمد محمد السنباطي,؟ وكيف جئت إلى الكتابة والإبداع؟
نشأت في أسرة أغلبها يعمل في التربية والتعليم وفي الشئون الدينية فلا أرض ولا تجارة ولا أموال، ولكن اهتمام بالقيم والأصول. نشأت محبّا للأدب واستهواني الشعر الجاهلي وأنا في الخامسة عشرة إلى درجة الهوس فانكببت أبحث عنه أنّى وجدت كتابًا متاحًا للقراءة، ومنه اندمجت في التهام بقية العصور الشعرية، لكنه ظل ولعي. ومن ثم قرأت الرواية فدلفت منها إلى عوالم جديدة. استلبتني كتابات تولستوي وجوجول ودستويفسكي وجوركي، قبل أن أعرج على الكتًاب الفرنسيين ومنهم إلى محمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي وقد استهوياني تمامًا قبل أن أتعرف على كتابات نجيب محفوظ الذي خلب لبي.
وكان أبي رحمة الله عليه يلقي على مسامعي محفوظات شعرية قديمة مثل قصيدة الحارث بن عباد: قربا مربط النعامة مني * ليس قولي يراد لكن فعالي. قربا مربط النعامة مني * إن قتل الأحرار بالشسع غالي. ويظل يردد قربا مربط النعامة مني مع تغيير عجز البيت مرات كثيرة وأنا مسلوب اللب. حدث لي ذلك عندما قرأت وأنا في تلك المرحلة العمرية ملحمة السموات السبع للشاعر الذي ما عدت أسمع عنه: كامل أمين. وفيها يكرر الشطر الأول من قصيدة مرات عدة وهو: مازالت الأيام تعبر جسرها. وعندما آوي إلى فراشي كان هذا المقطع يتردد في ذهني كصفارة الطاحونة. فلا أنام وكأنني شوبان أو موزار لا أذكر من منهما الذي قال: كيف أنام وفي أذني كل هذه الموسيقا.
لهذا أحرص على كتابة أشعار عمودية فأنا موقن أن هناك من يستسيغها لو حافظ عليها.
درست الفلسفة في الجامعة وكانت لغتي الأجنبية الأولى هي الإنجليزية. لكني وأنا في الصف الجامعي الأول حضرت محاضرة للفيلسوف الوجودي جان بول سارتر وكان في زيارة للكلية وحرصت بلغتي الأجنبية الثانية أن أفهم منه شيئا. وهيئ لي أني فهمت رذاذا متطايرًا إلى أن ضجت القاعة بالتصفيق والضحكات فقد ألقى نكتة لم أفهم معناها وعندئذ آليت على نفسي أن أتعلم هذه اللغة وأجيدها، خاصة وقد حدث موقفٌ آخر دفعني في نفس الاتجاه. جاء إلى الكلية الأستاذ الدكتور عثمان أمين لمناقشة رسالة دكتوراه وسمعته يسأل الباحث إن كان يعرف شيئا من الفرنسية فرد عليه الباحث إنه يعرف الإنجليزية بينما خطيبته تساعده في ترجمة النصوص الفرنسية فضحك الجميع وقال له الدكتور عثمان أمين: من لا يجيد الفرنسية لا يجيد معرفة الآداب ولا معرفة القوانين. وأثر ذلك في نفسي فصممت أيضًا على تعلم الفرنسية بطلاقة. اليوم وأنا منهمك في ترجمة (في البحث عن الزمن المفقود أجد متعة ما بعدها متعة في قراءة النص بلغته الأصلية ولو سألتني المذيعة الرائعة سلوى الجراح التي كانت قديما تقدم برنامج في الواحة لو سألتني عن الكتاب الذي آخذه معي ليؤنس وحدتي هناك لقلت لها بدون تردد: A
2) من خلال تعرفي عليك في موقع "الأدب العربي" واطلاعي على عموم منجزك الأدبي لفتني أنك أديب متعدد, بمعنى أنك شاعر وقاص وروائي ومترجم, كيف يتساكن هذا التعدد في ذات السيد السنباطي أولا,؟ ثم متى تكون شاعرًا مرة وقاصّا مرة وروائيا أخرى؟
3) في القصيدة أنت لا تستقر على شكل واحد, بل تجرب القصيدة العمودية وتجرب النثرية, هل للموضوع الذي تطرقه وتتناوله علاقة باختيار شكل القصيدة؟
ويمكن أن أقول هنا صراحة أن المستقبل لقصيدة النثر لأن بعض من يلتزمون بالتفعيلة يظنون أنفسهم شعراء وكل كتاباتهم على وزن: جلست جلست جلست جلست! هذه هي النغمة الوحيدة السخيفة التي يزعجوننا بها. خذوها معكم وارحلوا عنا!
4) في كتاباتك عمومًا أنت مسكون بالهامش, أقصد الكتابة عن الناس العاديين البسطاء في حاراتهم, بحيث تقوم بتشريح الواقع اليومي لهؤلاء, هل هو محض صدفة أم هو اختيار مفكر فيه؟
كما وأني من المغرمين بكتابات محمد البساطي وخيري شلبي وهما أيضا لا يخرجان عن المهمشين في كتاباتهما. لم أقض أياما في فندق من الفنادق الفاخرة ولم أركب مرة طائرة ولا باخرة. وحتى في القطار أفضل الدرجة الثالثة وأتطلع إلى وجوه الكادحين وكتبت أوبريت عن قطار درجة ثالثة يربط بين إيتاي البارود والقاهرة يدعى قطار المناشي. لا أكتب إلا عما أعرف.
و6 5) في رواية"وراء الجبل"الصادرة مؤخرًا والتي عمل موقع "الأدب العربي" على نشرها للقراء,تتحدث عن مدينة افتراضية هي"روح الوادي" ترصد فيها أحداثا الكثير منها خيالي,أريد أستاذ السنباطي أن تحدثنا عن تفاصيل هذه المدينة كما تناولتها في الرواية أولا؟ ثم أريد أن أعرف منك هل أحداث هذه الرواية هي نوع من نبوءة الكاتب المبدع واستشراف لما سيقع في مستقبل مجتمعه؟
أنت أيضا من الروائيين الذين استحضروا وقائع تاريخية ووقائع مضت للاشتغال عليها إبداعيا" اعترافات الحجاج بن يوسف "نموذجا,أريد أن أعرف كيف تعاملت مع هذه الوقائع روائيا؟
,ثم هل من مغزى وراء تناول أحداث بعينها للاشتغال؟
أسعدني أني أمتلك رواية رائعة كهذه واشتركت بها في نادي القصة عام 2001 ولكنهم تجاهلوها ربما تحسبا لعواقبها إلى أن اختارها الدكتور صبري حافظ ونشرها في مجلة الكلمة في عدد خصص للربيع العربي. وهي حتى الآن لم تنشر في كتاب.
أما اعترافات الحجاج بن يوسف فلها حكاية: ذهبت إلى دار نشر ببعض أعمالي الشعرية والروائية لطبعها فقال لي صاحب الدار هذه أشياء لا سوق لها فإذا ما أردت أن ننشر لك فلتكتب لنا عن الحجاج بن يوسف الثقفي. ولكن أمامك شهران فقط لتنجز الكتاب.
في خلال الشهرين ظللت أبحث وأكتب ليل نهار حتى كادت عيناي تصابان إصابات مزمنة. وأنجزت الكتاب وأخذه صاحب الدار فرحا وقال بعد أن طبعه وكتب عليه إن حقوق الطبع للدر تلك: نحن ندفع مبلغ كذا قلت له إنني أكتب في المجلات العربية وهي تدفع في القصيدة الواحدة ضعف هذا المبلغ. لكنه صمم عليه.
ظل يطبعه ويعيد طبعه سنوات وكل ما دفعه لي يعادل خمسين دولارا.
حزنت على الكتاب كأنما لم أعد صاحبه. قلت لنفسي مادمت عارفا بكل صغيرة وكبيرة متاحة عن الحجاج فلماذا لا أكتب عنه رواية؟ وكتبت واشتركت بها في مسابقة خارج مصر، ولأن الجو العام هناك يمقت الحجاج فقد انطبع ذلك على الرواية لغض النظر عن مستواها الأدبي، ولله الأمر من قبل ومن بعد. حصلت على مركز متأخر مع الأسف مع إنني كنت على ثقة أنها ستفوز بالمركز الأول. جعلوني أكتب لهم تنازلا عنها لطبعها ومنذ خمسة عشر شهرا وأنا أنتظر طباعتها.
7) ما هي علاقتك بالنقد, أقصد تناول إبداعاتك المتنوعة بالدرس والتحليل من لدن النقاد؟
8) كلمة أخيرة أستاذي لقارئات ولقراء موقع "الأدب العربي" وشكرًا
كي ترسم صورة لعصفور
بابه مفتوح
ارسم أيضًا
شيئا مليحًا
شيئًا بسيطًا
شيئًا جميلاً
شيئًا نافعًا
للعصفور
ضع اللوحة بعد ذلك على شجرة
في حديقة
في غيضة
أو في غابة
ثم اختفِ خلف الشجرة
دون بنت شفة
دون نأمة
وعندما يصل العصفور
إذا وصل
لاحظ الصمت الأكثر عمقًا
انتظر حتى يدلف العصفور إلى القفص
أغلق الباب بريشتك بلطف
ثم
امسح كل القضبان واحدًا بعد الآخر
محاذرًا أن تمس أي ريشة من ريش العصفور
ثم ارسم بعد ذلك شجرة
مختارًا أجمل غصونها
وللعصفور
ارسم أيضًا الفنن الأخضر والنسيم الطازج وغبار الشمس
وضوضاء حشرات العشب تحت حر الصيف
ثم انتظر حتى يحزم العصفور أمره على الغناء
فإذا لم يغنِّ
فإنها علامة رديئة
أما إذا تغنى فهي علامة طيبة
علامة أنك يمكنك أن تضع إمضاءك
انزع إذن وبكل لطف واحدة من ريش العصفور
واكتب اسمك في أحد أركان اللوحة.

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.png)